أحمد بن علي القلقشندي
88
صبح الأعشى في صناعة الإنشا
التباس ؛ إذ الإتاوة تملأ الأكياس ، والتّلاوة تفرّغ الرأس ، وخراج الأوارج ( 1 ) يغني الناظر ، واستخراج المدارج يعنّي الخاطر . ثم إن الحسبة حفظة الأموال ، وحملة الأثقال ، والنّقلة الأثبات ، والسّفرة الثّقات ، وأعلام الإنصاف والانتصاف ، والشهود المقانع في الاختلاف ، ( 2 ) ومنهم المستوفي الذي هو يد السلطان ، وقطب الديوان ، وقسطاس الأعمال ، والمهيمن على العمّال ، وإليه المآل في السّلم والهرج ، وعليه المدار في الدّخل والخرج ، وبه مناط الضّرّ والنّفع ، وفي يده رباط الإعطاء والمنع ، ولولا قلم الحسّاب ، لاودت ثمرة الاكتساب ، ولا تّصل التّغابن إلى يوم الحساب ، ولكان نظام المعاملات محلولا ، وجرح الظَّلامات مطلولا ، وجيد التناصف مغلولا ، وسيف التظالم مسلولا . على أنّ يراع الإنشاء متقوّل ، ويراع الحساب متأوّل ، والحاسب مناقش ، والمنشىء أبو براقش ، ولكليهما حمة ( 3 ) حين يرقى ، إلى أن يلقى ويرقى ، وإعنات فيما ينشأ ، حتى يغشى ويرشى * ( إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصَّالِحاتِ وقَلِيلٌ ما هُمْ ) * ( 4 ) » . قلت : وقد أوردت في المقامة ( 5 ) التي أنشأتها في كتابة الإنشاء المشار إليها بالذكر في خطبة هذا الكتاب من فضل الكتابة ما يشدو بذكره المترنّم ، وأودعتها من شرف الكتّاب ما يذعن له الخصم ويسلَّم .
--> ( 1 ) الأوارج هي دفاتر حساب الدخل والخرج يدوّن فيها ما كان مشتقا من حسابات الديوان . واللفظ معرب عن الفارسية « أواره » . ( البستان 1 / 25 ) . ( 2 ) مقنع أي رضا يقنع به . ( البستان 2 / 2017 ) . وفي نسخة دي ساسي « الأخلاف » . ( 3 ) هي سم كل شيء يلدغ أو يلسع . وحمة البرد شدّته . والمراد هنا الضرر . وأبو براقش طائر يتلون في اليوم الواحد ألوانا مختلفة . ( 4 ) سورة ص / 23 . ( 5 ) هي المقامة المسماة « حلية الفضل وزينة الكرم في المفاخرة بين السيف والقلم » وسيأتي المؤلف على ذكرها بالمفاخرة بين السيف والقلم . ( راجع ذيل كشف الظنون 3 / 421 ) .